||


البلد ام الفحم


بالرغم من المخاطر التي يواجهها مرضى السكري جراء الصوم في شهر رمضان، إلا أن كثيرين منهم يقررون الصوم. مع تواصل ازدياد الوعي في مجال السكري في الوسط العربي فإن المزيد والمزيد من مرضى السكري في الوسط العربي يقومون بالتوجه إلى مختص السكري مسبقا من أجل تلقي الاستشارة حول كيفية القيام بهذا الأمر بصورة صحيحة. إنها فرصة بالنسبة للطبيب للقاء المريض، أن يجري له الفحوص، وأن يتعرف إلى حالته، ومن خلال ذلك التعامل مع رمضان كفرصة متاحة لموازنة حالة متلقي العلاج عبر اختيار العلاج الفعّال والآمن. يتيح مثل هذا الإجراء إمكانية تفادي حصول المضاعفات خلال الصوم، بل وحتى تحسين مستوى توازن السكري خلال رمضان وبعده أيضا. إنها فرصة أيضا للتشديد على بعض المبادئ التي يجب التنبه إليها خلال شهر رمضان:

1. تصريح من الطبيب للصوم
السكري هو مرض مزمن، وأحد المبادئ الأساسية للحمية الملائمة لمرضى السكري هو الحفاظ على نظام غذائي متوازن خلال اليوم. بالمقابل، من شأن الصوم أن يؤدي إلى حالة من نقص سكر الدم والحاجة للتسرير والعلاج. من جهة ثانية، مع الاستعداد المسبق بموجب توجيهات الطبيب، والعلاجات الدوائية ذات العلاقة التي لا تؤدي إلى زيادة انتشار حالات نقص سكر الدم، بإمكان الكثيرين من مرضى السكري المصابين بالسكري من النوع الثاني، أن يصوموا بصورة آمنة. ليس من المفضل الصوم للفئات مثل الأطفال، المسنين أو النساء الحوامل. هنالك أيضا فئات من مرضى السكري ممن يعتبر الصوم بالنسبة لهم غير آمن، بضمنهم مرضى السكري المحتاجين لغسيل الكلى (الدياليزا)، أو مرضى السكري غير المتوازنين ذوي مستويات السكر التي تفوق الـ   250 mg/dlبالمعدل، مرضى السكري الذين يعانون من النقص الحاد بسكر الدم، أو من يعانون من حالات نقص سكر الدم المتكررة، مرضى السكري ممن يعانون من أمراض إضافية جدية مثل قصور عضلة القلب، من خضعوا لجراحة مجازات الشرايين وغيرهم. يتواجد المرضى الذين لا يعانون من المخاطر المفصلة أعلاه، ضمن دائرة الخطورة القليلة حتى المتوسطة في حال قرروا الصوم في رمضان، لذلك فمن الواجب عليهم هم أيضا تلقي الاستشارة الطبية الملائمة بغرض الاستعداد اللائق للصوم الآمن. يدور الحديث هنا عن فتوى شرعية. 

2. العلاجات الدوائية
بسبب مخاطر حالات نقص سكر الدم (الانخفاض الحاد بمستويات السكر) خلال الصوم، سيقوم الطبيب بالتأكد إن كان العلاج الدوائي الذي يتلقاه المريض ملائما، وإذا لم يكن كذلك فسيفحص إمكانية استبداله. اليوم، هنالك علاجات حديثة ذات مخاطر منخفضة وحتى معدومة لحصول حالات نقص سكر الدم، وذات فاعلية عالية. بل إن الأدوية الجديدة تكون في كثير من الحالات أكثر سهولة للتناول، الأمر الذي يزيد من مستوى فاعليتها للعلاج. على سبيل المثال، المستحضرات المثبطة للـ SGLT2التي يتم تناولها بواسطة حبة واحدة يوميا. لا تسبب هذه العلاجات نقص مستوى السكر في الدم، في حين يوفر بعضها حتى قيما مضافة تتعدى خفض مستوى السكر، حيث تحفز انخفاض الوزن وانخفاض مستوى ضغط الدم. من الجهة الثانية، في ظل تأثير هذه الأدوية المدرّ للبول، ستكون هنالك حاجة لأن يتلقى المريض إرشادات بشأن علامات الجفاف التي تستدعي التوقف عن الصوم، كما سيكون عليه تناول هذه الأدوية في رمضان خلال وجبة الفطور.

أظهر بحث أجري مؤخرا، وقام بفحص مواقف الأطباء بشأن استخدام مجموعة العلاج SGLT2خلال رمضان، بأن 70.6% منهم يعتقدون أن العلاج آمن خلال رمضان. يوافق غالبيتهم على ضرورة تناول العلاج خلال وجبة الإفطار، الاهتمام بشرب الكثير من السوائل خلال ساعات ما قبل بداية الصوم. هكذا سيكون بإمكانكم تجاوز الصوم بصورة آمنة، والمشاركة بهذا التقليد الديني الهام.
كذلك، هنالك علاجات فموية من مجموعة مثبطات الـ DPP4التي تعتبر فعالة هي الأخرى في خفض مستويات السكر دون أن تزيد من مخاطر حصول حالات نقص السكر في الدم. تم فحص هذه الأدوية وتبين أنها آمنة عند الاستخدام خلال صوم رمضان. من بين العلاجات الفعالة الإضافية، الـGLP1التي يتم إعطاؤها بالحقن تحت الجلدي لمرة واحدة يوميا أو مرة في الأسبوع، والتي هنالك أبحاث فاعلية أشارت إلىمستوى أمنها المرتفع، بل إن هنالك أبحاثا أظهر فاعليتها لفترات تمتد حتى 7 سنوات. في كثير من الأحيان، يؤجل مثل هذا العلاج الحاجة إلى علاجات إضافية، من خلال الحفاظ على التوازن ومنع المضاعفات، لذلك من المفضل كثيرا تحويل بعض المرضى المعينين للعلاج بهذه المجموعة قبل رمضان (حوالي 6 أسابيع قبل رمضان) والاستمرار بالعلاج خلال شهر رمضان بصورة متواصلة.
بالنسبة للمرضى الملزمين بالعلاج بالإنسولين، من المحبذ استشارة طبيبهم. اليوم، هنالك في السوق مستحضرات إنسولين سهلة الاستخدام وأمنة، حيث يكون كل المطلوب – في كثير من الأحيان – هو تغيير الجرعة وموعد أخذها. ليس بإمكان جميع من يتلقون الإنسولين الصوم، ويتواجد هذا القرار بين يدي الطبيب فحسب. 

3. توصيات للوجبات: السحور والفطور
نشرت منظمة الـ FDA (هيئة الغذاء والدواء الأمريكية) في الماضي تعليمات وتوجيهات لمرضى السكري الذين يصومون رمضان. كانت التوصية الأولى – طبعا – تلقي الإرشاد المهني، لكن التوصيات الأساسية تمحورت حول أنواع المواد الغذائية التي من المفضل استهلاكها خلال شهر رمضان ضمن وجبة الفطور. من بين التوصيات تم التشديد على عدم تناول المواد الغذائية الغنية بالكربوهيدرات (النشويات)، وإذا تم استهلاكها، فعليها أن تكون نشويات مركبة. كذلك، من المفضل استهلاك البقوليات، البروتينات الحيوانية، الخضروات الطازجة وأقل كمية ممكنة من السكريات. كذلك تم التشديد على وجبة السحور، قبل بدء الصوم، لكونها وجبة بالغة الأهمية بالنسبة لمرضى السكري. الهدف هو تقليص فترات الصوم بالنسبة لمرضى السكري، والحيلولة دون تنازلهم عن تناول وجبة الفطور الصباحية. تتفق هذه التوصيات مع التشديد الديني على الاهتمام بتناول مواد غذائية متواضعة خلال هذه الوجبات.

4. عدم الصوم بدون طبيب
بخلاف الأشخاص الذين لا يعانون من السكري، ويقومون بالاستعداد لرمضان من خلال اختيار الوصفات والاستعدادات العائلية فحسب، فإن على مرضى السكري – كما أسلفنا – التوجه إلى طبيبهم قبل رمضان بشهر واحد على الأقل. ممنوع على مرضى السكري الصيام بدون تلقي استشارة من الطبيب أو بدئه دفعة واحدة دون استعداد مسبق. ومن المهم التذكر: إذا شعرتم بسوء، بالإمكان وقف الصيام وتناول الطعام. هذا الأمر تدعمه الشريعة. من المهم الإشارة إلى أهمية قياس مستويات السكري خلال الصوم. في حال كان مستوى السكر أكثر من 300 أو أقل من 60،يجب التوقف فورا عن الصوم.

5. نمط حياة صحي
يعتبر شهر رمضان فرصة لتبني التغييرات الإيجابية. ينجح الكثير من مرضى السكري المسلمين، الذين لا يهتمون بالنظام الغذائي الملائم ونمط الحياة الصحي الشامل للنشاط الرياضي بصورة دائمة، بتغيير عاداتهم في هذه الفترة بالذات. تزيد الرغبة بالنجاح في مهمة الصوم من الدافعية لديهم للالتزام بتوجيهات الطبيب. لذلك، يعتبر شهر رمضان فرصة للدخول إلى المسار الصحيح والوصول إلى مستويات سكر متوازنة. يواصل الكثير من مرضى السكري الذين غيروا طبيعة حياتهم، بل واستبدلوا العلاج الدوائي، اتباع نمط الحياة الصحي حتى بعد رمضان. ليس على مرضى السكري الخوف من الصوم في رمضان، إذا تصرفوا بموجب التوجيهات، حيث من الممكن أن يكون شهر رمضان نقطة تحول إيجابي، توازن وإدارة ناجحة لمرض السكري.

بقلم د. رياض طاهر محاميد، مختص الأمراض الباطنية والغدد الصماء في مستشفى رمبام، ومركّز السكري والغدد الصماء في صندوق المرضى كلاليت، لواء السامرة والشارون


تفضل بالرد

عنوان بريدك الإلكتروني لن يتم نشرة.