||

بقلم : #علاء #صبيحات

مراسل في صحيفه #الحدث

كتب على الصفحة البيضاء، في دفتر اللحظات الأخيرة، على يسار الهامش، مخالفاً نمطيته المعتادة، ربما أراد أن ينتفض على ذاته بداية، “سأصير يوما ما أريد”، وستبكيه أمه، وسيؤلمها الفراق، ولن تعتاده أبداً، ولا إخوته، سيتذكرونه في كل لحظة.

عاقداً عزمه على ألا يبيت الليلة إلا في الجنة، وليترك أهله في الجحيم فلا بأس، فإن هُدِم البيت، واحتُجِز جثمانه، وانهارت عائلته، وخولف المنطق في دفن الوالد للولد، كلها أمور لحظية، عليه أن يكون شهيداً، دون تكليف.

أقدم على شراء سكينٍ قبل أيام، واستمر يسنها، ويدهنها بالسموم، ويجهّزها ليوم زفافه، لم يحدد منطقة استشهاده بعد. عقد العزم نحو باب الأسباط، هناك طفلان يهوديان… مستحيل، مجموعة نساء.. لا لا، شبان يتقدمون للسخرية من عروبته، وقبل أن يفكر باستلال السكين، كان قد رشق بعشرات الرصاصات.

المفارقة أنه لم يخرج سكينه من جيبه أبداً، حتى أن أحدهم ألقى بسكين أخرى إلى جانب جثته، ولم يكتشفوا أن معه سكيناً أخرى إلا بعد أن شرعوا بخلعِ ثيابه.

كانت لروحه ألف طريق قبل الصعود النهائي، حتى أنه سمع حوارات عدّة أثناء تشهّده الدامي، رأى في طريق الروح نحو البرزخ أمه الثكلى.

رأى في دمعها مليون سؤال وحيرة… أوليست الأم بشراً؟ أملزمة هي بتحمل سذاجة موته المفاجئ؟ أقادرة على رؤية دمه دون مقدمات؟ ماذا يمكن أن تسمىي انتظارها بفارغ الصبر، أن تفرح بأحفادها، وهو يمحى بسهولة بمجرفة التراب؟

سمعها تخاطب قبره بحروف من الغصة… أيا تراباً مكتظاً بالإغاظات، ارحمني، أعد لي طفلي الكبير.

شاهد والده الذي يكابر على وجعه يهمس لذاته: “لو أنك أخبرت أمك على الأقل، أنك ستموت… حتى لا تُضطرّ للبحث في ذاكرتها عن آخر ما قالته لك، أو ألا تجد صورة لك لتبكيك من خلالها”.

قابل في طريق الروح ملائكة تتحاور في ما بينها. يقول أحدهم: لِمَ يخسر هؤلاء أرواحهم، أهو شعب مفرط في الشجاعة؟ أم مفرط في اللامبالاة؟

رأى في طريق الروح أبطال الحروب… وآفاق السماء، وقلب حبيبته المفطور، وصمت مليار وربع، وظلم سبعين عاماً، ورسائل غارقة في الدمع، وأدعية الصوفيين، وتهاليل الملائكة، لكنّ الغالب على كل ذلك كان بكاء أمه.

رأى فيما رأى نوبات ذعر لأمهات كثر فقدن الشجاعة لأن أبناءهن تأخروا عن المنزل ليلاً


مقالات ذات صلة

تفضل بالرد

عنوان بريدك الإلكتروني لن يتم نشرة.