[x]
kkk
[x]
kkk
||

موقع البلد: هديل اغبارية – صحيفة  المدينة

“امي ماتت، سمعتوا؟” تكرر ريناد؛ الطفلة الصغيرة ذات ال 9 أعوام سؤالها للزائرين بعيون دامعة حزينة، والتي لم يتبق لها من عائلتها المكونة من والدين و3 أشقاء، غير والدها وشقيقتها راما، ابنة ال3 سنوات التي ترقد في غرفة أخرى في ذات المستشفى في حالة خطرة.

فجعت مدينة أم الفحم فجر يوم الجمعة بمصرع المرحومة فريدة اغبارية (27 سنة) في حادث طرق خطير وقد جراء تصادم 6 مركبات خصوصية على شارع رقم 6. وقد أصيبت المرحومة وأطفالها الأربعة أيهم، ورناد، وراما، ولطفي بإصابات بالغة، توفيت هي على أثرها مباشرة، ثم لحق بها طفلها لطفي ، وبعده شقيقه أيهم.

بفارق ساعات من مواراة جثمان المرحومة فريدة الثرى، أعلن مستشفى سوروكا في بئر السبع السبت عن وفاة الطفل لطفي محمد محاميد، ابن الـ 8 سنوات، ثم شقيقه الأصغر أيهم، ابن الأ3 سنوات.

بعد يومين من الحادث دخلت العاملة الاجتماعية غرفة الطفلة ريناد وأبلغتها بوفاة والدتها وشقيقيها.

وتروي زوجة عمها مأساوية المشهد قائلة: “قبل أن تعلم بالحقيقة كانت كثيرة السؤال عن أمها وشقيقيها وشقيقتها، وحينما أفاقت من التخدير سالت عنهم فأجبناها- بتوصية من الأطباء- أنهم في البيت ينتظرون خروجها من المستشفى. وتضيف: “حينما كانت ريناد تأكل كانت تسألني: هل أكلت أمي مرت عمي؟” فأجيبها بالإيجاب وقلبي يتقطع ألما.

 

وتردف زوجة عم ريناد: “كان من الصعب إخبارها بالحقيقة، مع العلم أنها كانت شاهد عيان على الحادث، إلا أنها لم تتوقع هذه النتيجة، لكننا الآن بجانبها ولن نتركها تعاني وحدها، سنكون معها دائما، فبقاؤها على قيد الحياة نعمة من الله، كما أن والدها يلازمها في المستشفى هي وشقيقتها”.

 

الأم المرحومة فريدة، أبت أن تستسلم للظروف، وأن تترك أطفالها (وهم من ذوي الاحتياجات الخاصة) عرضة لأفكار المجتمع المسبقة، الذي يأبى أن يتقبل ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد كان بوسع فريدة أن تضعهم في مؤسسات خاصة، كما تقول إحدى قريباتها، وبهذا يصلها مبلغ مالي بينما هي جالسة في البيت، لكنها اختارت أن تكافح وتحارب من أجل متابعة علاجهم وتقدمهم في الحياة.

“حاربت من أجل سعادة صغارها”

وكما يقال “الموت لا يوجع الموتى لكنه يوجع الأحياء”. هكذا كان حال والدي المرحومة فريدة، التي غابت فغيبت عن العائلة ابتسامتها. “الله يرضى عليكي ويسهل عليكي يا فريدة، تحملتي وصبرتي”؛ لا تنفك والدة فريدة تكرر قولها هذا وكأنها تسمعها.

وتضيف: “لقد شعرت فريدة دائما أنها الأمل الوحيد لأبنائها، فكانت تحرص على أن يكونوا سعداء، اسألوا عن فريدة في المدارس حيث يتعلم أبناؤها، وهناك يمكنكم معرفة ما قدمته لهم. لقد ضحت بنفسها من أجلهم، قررت أن تعيش لأجلهم”.

 

وتروي الوالدة: “كنت رفيقتها في كل الفحوصات الطبية لأبنائها، لكني في الفحص الأخير، يوم حصل الحادث كنت مرهقة بعد فحص طبي لي، وكنت قبلها بيوم قد رافقتها إلى مستشفى رمبام، حيث كان يجب إجراء فحص طبي لريناد، وقد أقنعتني فريدة يوم الخميس ان أبقى في البيت. ويومها لم تجد أحدا تضع أبناءها عنده فأخذتهم معها– تردف الوالدة باكية: “يا ريتني رحت معها يا خالتي”.

 

وأشارت الوالدة أنها لا تذكر محاسن وإيجابيات المرحومة لأنها ابنتها فقط بل لأنها إنسانة.

كانت نعم الأم المكافحة لأبنائها، تشيد الوالدة بدور ابنتها في تربية أطفالها وتقول: “كانت المعيل والأب والأم للأطفال وكانت تردد قولها :”يا رب أعالج أولادي وبعدها أموت”، فأنتهرها وأقول لها إنه لا يصح الحديث هكذا، لكنها ترد علي مبتسمة قائلة إن أبناءها أغلى ما تملك.

 

شقيق المرحومة البكر عماد، الذي يعمل سائق حافلة في أوفكيم في الجنوب، كان قريبا من الحادث ساعة وقوعه، وقد تلقى مكالمة تبلغه بالأمر فتوجه فورا إلى مكان الحادث، وهناك عرف أن شقيقته فارقت الحياة.

وتقول والدته: “جاء إلى البيت ولم يقل لنا إن فريدة توفيت، بل قال إنها أصيبت، وبعدها قدمت عاملات اجتماعيات وأخبرننا بالحقيقة. والله يا خالتي قلبي انحرق”.

 

“حياة ابنتي لم تكن سهلة “

فقدنا بوصلة الموضوعية وأجهشنا بالبكاء بالرغم من محاولتنا أن نتماسك ونكون مهنيين، وذلك أمام مشهد بكاء والد المرحومة محمود أبو فرغل الذي بكى بحرقة وهو يحدثنا عن حياتها: “ماذا أقول؟ كانت نعم الابنة التي كافحت وضحت، الله يرحمك يابا.. كانت صابرة وصابرة”

“لقد عانت من المشاكل العائلية، وكان زوجها قد أصيب في حادث عمل، فتحملت وصبرت، لكنها بعد تراكم المشاكل افترقت عن زوجها. لم تكن حياتها سهلة، ووفاتها سببه الإهمال، لقد حملوها مسؤولية كل شيء وكان يجب أن تكون كالملكة، وأن تعيش وتربي أبناءها وتعالجهم.

“كان عندها 4 أطفال، 3 منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت لهم بمثابة الأم والأب والصديقة، كان الجميع يحبها ويحب الحديث معها، اجتماعية وتفرض احترامها على كل من يتعامل معها”.

 

يحدثنا والد المرحومة أنها قبل الحادث بيوم واحد كانت في مستشفى رمبام مع والدتها لإجراء فحص لإحدى بناتها، وكان من المفترض أن تذهب والدتها معها إلى فحص يوم الخميس، لكنها كانت مرهقة، فأقنعتها فريدة أن تبقى في البيت قائلة:”يما بديش أغلبكم” وقالت إنها ستأخذ أولادها معها عوضا عن والدتها، خاصة أن الابن الكبير المرحوم لطفي كان يتوسل أن يذهب معها”.

 

“قبل أيام كانت قد اقتنت ملابس لأطفالها– يبكي بحرقة ثم يردف: “أرادت أن تدخل عليهم الفرحة. هذا كان كل طموحها، ذهبت إلى حضانة راما وأيهم واحتفلت معهما، وكانت تخطط لاحتفال عيد ميلاد راما، ويشهد الله أنها لم تحرمهم من شيء”.

وأضاف: “زرت ريناد أمس، صحتها جيدة كما قال الأطباء، ومن المزمع أن تعود للبيت يوم بعد غد الأحد أو الاثنين”.

“كانت تحضر لحفل عيد ميلاد راما اليوم”

“الصورة الأخيرة التي نشرت لشقيقتي في وسائل الاعلام بينما كانت في إحدى الحضانات وهي تحمل ابنتها راما أكثر صورة أثرت بي، فلا زلت أذكر صدى صوتها وهي تقول: “صوروني وخلوها ذكرى”، ثم ضحكت وضحكنا جميعا. كان باديا عليها الفرح، ولم يخطر في بالنا أن هذه الصورة ستكون ذكرى كما قالت”. تقول الشقيقة سحر، المتزوجة من شقيق زوج أختها المرحومة.

كانت سحر على دراية بمدى ثقل الفقدان الذي تعانيه جراء وفاة المرحومة والتي تصغرها بعام واحد. تقول: “تزوجنا في يوم واحد، زواجها لم يكن سهلا وعانى من العثرات حتى طلقت، كانت شقيقتي وصديقتي، وكانت دائما ما تصارحني أنها ستبني لأبنائها حياة أفضل، لم تكن مجرد أم، دخلت العديد من الدورات كي تكتسب طق التعامل مع أطفالها وكيفية تربيتهم، تحملت مسؤولية أكبر منها وكانت أهلا لها”.

“كانت المرحومة تحضر لعيد ميلاد راما، الذي كان من المفترض أن يكون اليوم الجمعة، حيث كانت تخطط أن تدعو الأقارب إلى مطعم لنحتفل معا، كانت سعيدة بالتحضيرات. وقبل أيام من الحادث، وفي احتفال في حضانة راما وجهت دعوة للمربيات، كما دعت والديّ. لم نصدق حينما وصلنا خبر وفاتها، لم يكن بالأمر السهل”.

“كل يوم جمعة نتناول الغداء في بيت أهلي جميعنا؛ شقيقاتي وأشقائي، الجمعة الماضية اشترت فريدة المسليات التي يحبها الأطفال وطلبت من أمي أن تصنع لها المفتول البلدي، كانت أجمل أيام الجمعة التي تمر علينا، لم نكن نعلم أنها الجمعة الأخيرة التي يلتقي كل أفراد العائلة فيها فريدة”.


 


تفضل بالرد

عنوان بريدك الإلكتروني لن يتم نشرة.