||

في عالم الكتب لا أجد متعةً أجمل ولا أشهى من غرس أصابعي وكل حواسي في كتبٍ قديمة مستعملة، أثقلت صفحاتها الغبار والزمن، أدس أنفي لأشم تجربة شخص آخر ألقى بحمل اللحظة لتبدو ملاحظة أو كلمة أو رسمة أو حتى خطوطاً لا معنى لها.. أو لربما لها معنى لدى صاحبها.

في الكتب القديمة المستعملة تجارب وقصص كان الزمن بريدها الزاجل وكانت الصفحات مأمنها الوحيد، في هذه الكتب ربما نتعثر بوردة جورية جفت وتضاءلت بسبب إحتباس أنفاس عاشقٍ لم يستطع إلا أن يضع قلبه بين طيات الكتاب..
الكتب المستعملة أجمل والملاحظات بالرصاص إذا تغمدت في قلبي تنعشه فينزف كتابةً من جديد، هذا الرصاص خُلقَ لإعادة الحياة وليس لضغط الزناد…

حتى عند إستعارة الكتب المستعملة كأننا نستعير شيئاً خاصاً من صاحبه، شيئاً من عالمه الشخصي فتشعر وكأنك ملزم بالحفاظ عليه اكثر من أي شيء ذلك لأن شخصاً آخر ينتظر الإستعارة وهذا من شأنه أن يحفظ شبكة التواصل الحسي بين الإخوة او العائلة أو حتى الجيران فتستمر هذه العلاقة اللولبية.

في طيات هذه الكتب حكايا وأسرار وهي تنتقل من يدٍ لأخرى ومن سنة تلو سنة، حكايا أم ولادة أنجبت كل سنة من رحمها جيلا يرث الكتاب عن إخوته حكايا أب لم يجد مالاً كثيراً ليشتري كل شيء لكل قطعة من جسده فكانت الكتب للبكر في العائلة والكتابة عليه تكون في الرصاص فقط ليتسنى محوه وإعادة استعماله، حكايا جيران تقايضوا صحون الأكل وتوارثوا كتباً. حكايا حارة كاملة تعلمت من ملاحظات نحتها الزمن على الكتاب… وحكايا حب خائف من البوح وشجن وجنون مكبوت بكلام صامت يتنفس الابجدية على سطور الكلمات…. حكايا اناث وجدن شرعية مطلقة في الكتابة على صفحات الكتب فينصهر الخاص بالعام المطلق.

الكتب المستعملة هي كتب متكلمة ناطقة بالحنين ومتفاعلة مع نبض القلب، الكتب المستعملة ترث صاحبها تقدير اللغة والإرث الحضاري والمجتمعي، الكتب المستعملة لها ملمس الحرير ومزاج الياسمين والخربشات عناقيد كلمات مدلاة من كروم التعليم ….
كنت الابنة البكر في عائلتي فحظيت دائماً بكتب جديدة رائحتها حبر المطابع وورقها وضاء أبيض ناصع ثم انتقلت لأخواتي وأخوتي لكني لم أكن أشعر بذلك الانسجام الخفي مع الصفحات ووشوشات الصفحات كما كنت أستلف روايات أبن عمي كالأجنحة المتكسرة التي انفعل معها وراح يناجي سلمى والآخرين ويحاورهم كأنه معهم ويعيش معهم ادوار البطولة او كتب الادب القديم لجدي الذي سبقني في الدراسة لأكثر من ثلاثين عاماً وحبه لبعض الاشعار القديمة بالقوافي الرنانة اتبعني حب الشعر.
أحن لاستعمال كتب قديمة لآخرين لمن مشوا من قبلي في دروب الكلمات وأضاءوا عتمة الكتاب بحكاياهم… ربما هذا العشق خلق في داخلي شغف الكتابة وولع اكتشاف الاسرار… حين تمتزج الصفحات الصماء بملاحظات تنطقها فاسمع انا الحكايا من جديد…
الكتب عالم خفي من الصفحات نضيئها كما تضيء أسرجه عقولنا.
من لم يحظ بكتاب قديم مستعمل يحمل كل هذه التجارب الواضحة والخفية اقتصر ت تجربته على التعليم البصري بالصور والألوان ولربما لم يحظ بغرغرة الخيال في أنهار ذاكرته …


تفضل بالرد

عنوان بريدك الإلكتروني لن يتم نشرة.