||


البلد- اسرة


ثلاثة شهور لا أكثر، فهي تتضعضع من يوم إلى يوم وألامها تسير في خطىً ثابتة من سيّء إلى أسوأ.
ثلاثة شهور !!!هذا ما توقعه الطبيب المرافق لها منذ حوالي عام، حتى يتوفاها الله ؛ والله وحده يعلم لحظة المنيّة.
إجتمع أخوتها وأقاربها حول سريرها وقالوا للطبيب بلغةٍ لم تكُ تدركها: ” إننا نقف عاجزين عن مساعدتها . إننا نعتصر ألماً لشدة معاناتها. إنصحنا ما عسانا نفعل”. أجابهم الطبيب بالعربية ، وهي لغة أمّه “ما بشعر بالوجع الا صاحبه”. وبّخوه بالعبرية ألّا يُشعرها عن صعوبة تدهور سقمها. فأجابهم بالعربية ” بدها رحمة ربنا”.
كانت أمها تجلس على كرسي بجانب سريرها ماسكة يدها ، تربّت عليها وتتحسّسها. إغرورقت عيني أمها بالدموع عند سماع الطبيب وهي التي كانت تشعر منذ اكتشاف الوباء الخبيث في جسد ابنتها ، أن الله اختار لها الأمتحان ، وأي امتحان!!!.
خرج الطبيب من الغرفة فتبعه مسرعاً أخوها البكر فسأله : ” بالله عليك ، أخبرني كم هو سيء وضعها وهل من سبيل لتخفيف حدة آلامها حتى لو تطلّب الأمر نقلها لمشفى آخر أو طبيب خاص”!!. أجابه الطبيب : ” إستحلفتني بالله وهو أعلم”.
قال شقيقها -“لا رادّ لقدره جلّ جلاله ؛ ولكن الله أعطاك المعرفة لتدلّنا عمّا نفعله”.
أجابه الطبيب : ” بتصوري ، والعلم عند الله، ستعيش على الأكثر ثلاثة شهور”.
جلس أخوها جانبا يسأل نفسه ” عساها تريد رؤية صغيراتها في هذه اللحظات.!!!.عساها تريدهن ان يحضننّها ، فهي غير قادرة على احتضانهن!!!.من يدري ، قد يكون في جلب رضيعتها ووضعها على السرير بجانبها مخففا لحدة آلامها؛ ومن يدري ماذا يجول في نفوس طفلاتها اللواتي حُرِمنَ حرارة الضّمة ورطوبة القُبلة منذ عام!!! من يدري ، قد يكون من الأنسب بمكان إحضارهن إلى أمُّهن في وضع يبدو وكأنه حرج للغاية. “.
إستدعى أخوها البكر باقي إخوته وأعلمهم بنيّته إحضار الصغيرات إلى المشفى للمكوث فيه لعدة ساعات “حتى يشفى غليلهن وغليل أمهن”. طلب من أخوته المشورة فكان رأيهم واحدا بإحضار الصغيرات على وجه السرعة. قام أكبر الأخوة بأعلام زوج أخته العليلة الذي بقي في البيت لرعاية الصغيرات بأن يقوم بتجهيزهن للزيارة المرتقبة. توجه أحد الأخوة إلى باحة المشفى ليقود سيارته متجها لبيت أخته لإحضار الرضيعة وباقي أخواتها الغضّات للمشفى ؛ أما باقي الأخوة فعادوا إلى أختهم ليبشروها، وإن لم تكُ قادرة على الكلام، بأنّ حبيباتها، فلذات كبدها بالطريق إليها وأنهّن سيمكثن بجوارها لبضع ساعات . أخبرها أكبر أخوتها بذلك إلا أنها عجزت عن النطق وقد جفّت شفتاها وكانت الشّقوق باديةً عليها ؛ فقامت أمها بترطيب شفتيها بقطعة قطنٍ مبلولة. حدّقت نظرها بأمّها ومن ثُمّ بأبيها ومن ثمّ بأختها وأخواتها وقد ظنّوا جميعا أنها تعبّر عن فرحتها بقدوم بناتها لتنظر إلى عيونهن وتحدّق بهن عن كثب. كان لسان حالهم يقول: ” ألحمد لله ، لقد حلّت السكينة على أختنا وستحل ان شاء الله على بناتها بعد أول تلامسٍ بينهن.”.
لكنهم سرعان ما أدركوا أن نظراتها إليهم كانت نظرات الوداع الأخيرة. أغمضت عينيها ونزلت عليها السكينة الأبدية.
كانت عينا والدها الذي قص مرضُها أعماق أحشائه تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أما أمها فلم يكُ من الممكن رؤية عينيها وقد أغرقهما سيلا من الدموع.
قبّل أكبر أخوتها جبينها ويديها وخرج ليهاتف أخاه الذي سافر لإحضار الصغيرات؛ فرد على الهاتف قائلا: ” آه خيّا ، دقائق معدودة أكون في بيت أختي”.
سأله أكبر أخوته: ” هل تحدثت مع الصغيرات”.
أجاب: ” نعم، تحدثت مع ثلاث من بين الخمس، أما الأخرتين فأحداهما رضيعه وثانيتهما لم يُطلق لسانها بعد”.
سأله أخوه الأكبر : ماذا قلت لهن؟ وما كان ردهن”؟
أجاب الأخ الذي سافر لإحضارهن: ” معرفنش حالهن من الفرحة. كل ساع بتصلن وبسألن وين صرت يا خالي ، وين صرت يا خالي”.
ثم أردف قائلا ” ها قد وصلت البيت وأراهن تلوحن بأياديهن وقد حملت اثنتين منهما الصغيرتين وهن يرتدين أحلى أزيائهن”.
قال له أخوه البكر : ” قولّهن خلص، إمهن جاي تودعهن …” ولم يتمالك نفسه فأجهش بالبكاء ولم يستطع الأستمرار بالحديث.
قال له أخوه الذي وصل إلى البيت وهو ينظر للصغيرات اللواتي تنتظرن بفارغ الصبر السفر معه لزيارة أمّهن : ” لع خيا ، بدي أجيبهن عالمشفى ، بدي أقولهن تعالِن روّحن أمّكن.”.
نهاه أخوه الأكبر عن ذلك إلاّ أنه قال: ” بديش أفنسهن خياّ ، حرام أكسر هوستهن، حرام”.
فرد إخوه البكر قائلا- باكيا ” والله حرام”.
وركبت خمس صغيرات يرتدين أجمل ما عندهن من ثياب سيارة خالهِنّ لزيارة أمّهن بالمشفى.

رحمها الله وطيب ثراها وأدخلها فسيح جنانه.


تفضل بالرد

عنوان بريدك الإلكتروني لن يتم نشرة.