||

 


البلد- بقلم المحامي حسين محاميد


قد تستغربون عندما تعلمون أنني أمقت النّساء والسّيّدات منهُنّ على وجه التّحديد. كل ذلك بسبب قهقهة تلك السيدة الّتي كانت ترتدي زيّاً تركيّاً إبّان رمضان الماضي من العام المنصرم.
حدث ذلك خلال تناول وجبات الإفطار في أحد المطاعم المرموقة في المدينة والتّي كانت تعجّ بالعائلات الفحماويّة الصّائمة وعائلتي من ضمنها.

تلك السيّدة، الّتي لم تستطع أن تكتمَ ضحكتها ،قهقهت عالياً وبدون انقطاع وكانت بقايا الطّعام تتناثر من فمها حتى أثارت انتباه كل من في المطعم وطاقم النادلين الذي كان يتواجد بعيدا في المدخل المجاور.
أهي الغريزة الأنثوية الّتي لا تتمالك نفسها أمام حدثٍ جلل . ضحكتها العالية وذراعاها ترتجفان من شدّة ذبذبات القهقهة غيّرت مجرى التّاريخ الفحماوي وقد تكون السبب الرئيسْ لما سنبقى نعاني منه لسنين طويلة.
تلك المرأة ، تركيّة المظهر، كانت السبب في نهاية رجلٍ عظيم.

كان صديقنا يحرص كلّما همّ الخروج من بيته على ارتداء أجمل الملابس الّتي اقتناها من أكثر المحلاّت شهرةً وقد تمّت حياكتها لدى أشهر الماركات العالميّة.
ذقنه دائما ملساء وكأن الشعيرات لم تطأها أبدا.
إنتعال حذاءٍ من أحدى الحوانيت المتزايدة بالمدينة لا يعنيه بتاتاً ، إنّ ذلك خارج حساباته.
كان يحرص دائما على شراء ساعاتٍ ليحيط بها ذراعه اليسرى وسعر الواحدة منها يضاهي ثلث معاش موظف “بِخَيْر” من موظفي البلدية.
إنّه رجلٌ عظيم.

كان كلّما دخل أحد مقاهي المدينة التي أصبحت نوادي ثقافية لتبادل الآراء على فنجانٍ من القهوة ؛ يعتمد أن تُسْمع دقّات حذائه عاليَ الكعبِ؛ فتُلفت أليه الأنظار . ألم أقلْ لكم إنّهُ رجلٌ عظيم.

أتاح لي القدر أن أكون من المحظوظين في رؤيته عن كثب لساعات طويلة؛ إذْ تعودتُ على لقاء بعضٍ من أصدقائي وقليلٍ من زبائني في مقهى الملعقة .

شاءت الظّروف أن تتزامن زياراتي للمقهى مع زياراته. كان يلتفُّ من حوله لفيفٌ من الفحامنة الجدُد وبعضٌ من المخضرمين في العمل على طمس معالم البلدية كرمزٍ لخدمة البلد.

جميعهم يعمل جاهدا على إقناعه الخوض في المعركة الإنتخابية المقبلة. سمعتهم يقولون له :”أنت الوحيد الذي سينقذ البلد من تلك الآفة ، أنت الوحيد الذي سيضمن لنا البقاء تحت أكناف خير ال”بخير”.
كان وسيم المظهر ، طويل القامة ولا يُدَخّنُ من السّجائرِ إلاّ ما طال امتدادا.
بعضٌ من زبائني الغرباء لاحظ هيبة الرجل وانحنائه كلما تحدث كي تقترب وجوه اللّفيف منه ليسمعوا الدّرر الّتي كان يسرُّ آذانِهِم بها.
وجدتُ نفسي مضطّراً أن أجيب أحياناً على أسئلة أصدقائي أو زبائني غير الفحماويين عن الرجل الملفت للإنتباه. كنت أقول لهم: ” يظهر أنّهُ يُهيّء نفسه للإنتخابات المقبلة”. كانوا يقولون: ” ولكنّها بعيدة” ؛ فأجيبهم : ” إنّهُ بعيد الرّؤيا ، إنّهُ رجلٌ عظيم”.

صاحب المقهى رجلٌ دائم الإبتسامة. كان كلّما قدّم لي مشروبي المفضّل من عصير الجزر المخلوط مع البرتقال، يقول لي : ” يا خال ، هْنيّال البلد ، إذا الأفندي بصير رئيس”.
كان أحد المعجبين به وممّن يقدّم له شخصيّاً الأسبرسو القصير ، الذي لا يتجانس مع طول سيجارته.

لا أذكر أنني سمعت يوماً ما رأي الرجل العظيم بما يدور على الساحة المحلية الفحماوية. لم أعهد له نشاطا يعود على البلد بفائدة تُذكر وما سمعته أوحى بأنّه تقاضى الأجر ، وأيّ أجر، لخدماته الجليلة.

اعتاد الصحافيون المحليون الذّهاب من مركز المدينة لأقصاها لمتابعة أحداث اجتماع، نفس الإجتماع المتكرّر كلّ حين، لتناول أمور هي في صلب حياتنا. صديقنا كان من المدعوّين ولكني لا أذكر يوماً أنّه كان من المتكلّمين.
ولكن وكما يقول المثل : ” مليارد صيني لا يخطئون”؛ فالإجماع على أهميته هي دلالةٌ أخرى على عظمته.

وكان ما كان من تلك السيّدة المقهقِهة الّتي دمّرت حياة رجلٍ عظيم.
في رمضان الماضي التَمّ حشدٌ كبير من العائلات الصّائمة في المطعم المرموق الذي من واجبي أن أحافظ على اسمه سرّاً كي لا يدفعكم الفضول لسؤال صاحبه: “من ذلك الرجل الذي كان عظيماً، فتلاشى في أقلّ من دقيقة في مطعمك المرموق”؟.
جميعكم يعرف أنّ الدقيقة الأولى لإفطار الصّائم يسودها الصّمت التّام فلا نسمع شيئاً سوى طقطقة الملاعق عندما تلامس الصحون وتكون عادة ممتلئة بالحساء السّاخن ،وهو الوجبة الأولى الّتي يقدّمها المطعم المرموق.

كبّر المؤذّن ” ألله أكبر ، ألله أكبر” وبسمل الصائمون ” باسم الله الرحمن الرحيم” ووجّهوا حواسّهم الخمس لِصحون الحساء.

لكن يا للمفاجأة !!.
كان صديقنا يرتشف الحساء بصوتٍ مزعجٍ وكأنّه أداةً تُخرج الهواء المضغوط في إطار إحدى السيّارات. كلّ رشفة كانت ذات نغمةٍ مختلفة عن أختها وبعضها رافقها الصّفير وكأنّ ريحاً قد هبّت من ناحية الجبل الذي يقف شامخاً بالمرصاد.

تلك السيّدة تركيّة المظهر كانت تضرب زوجها بخفة بذراعها الأيسر كلما شدت انتباهها رشفةُ حساءٍ من الرجل الذي كاد أن يكون عظيما. كانت تحاول ان تكلّم زوجها بعينيها فترفع جاجبيها وتخفضهما كي ينتبه لرشفات رجلٍ اعتبره لفيفُه كرجل عظيم.
لم تسمع في تلك الأثناء سوى طقطقات الملاعق ورشفات صديقنا ذات الصّفير وبدونه. حتى الشارع الملاصق كان خالياً من السيّارات والضجيج ، فالوقت وقتُ إفطار وتلك كانت الدقيقة الأولى للإفطار .
سرعان ما انتهى صديقنا من تناول الحساء فقام من مقعده قائلاً : ” والله إنُّه زاكي” وهمّ بالذهاب للنادل لطلب وجبة أخرى من الحساء ، لولا أن وقعت الكارثة.
إنّها مصيبة المصائب. إنها لحظة ، فقط لحظة ، تُغَيّرُ مصير بلد وتنهي حياة رجل عظيم. إنّها مأساة حقيقيّة كانت مزيجاً من المتناقضات . إنها لحظة مرّت في حياتكم جميعاً ؛ ولكنّها قاتلة لرجل عظيم بعد أن اختارت المرور أمام حشدٍ كبير وبحضور السيّدة تركيّة المظهر.

كان صديقنا في طريقه للنادل وكان الهدوء مطلقاً فلا تسمع إلاّ “خبطات ” نعله عاليَ الكعبِ على الساحة المصنوعة من الخشب وبقايا طقطقات الملاعق. إنّ صدى هذه الأصوات لا زال يهدهدُ في أذنيّ. أليوم بدأت أفهم أنّ هذا كان الهدوء الذي سبق العاصفة. وما العاصفة؟ . لقد كانت توقيتاً خاطئاً لصديقنا جُوبِهَ على الفور بقهقهاتٍ غير مسبوقة من السيّدة المذكورة.
أحشاء صديقنا لم تستأذنه قبل الخروج لفسحة قصيرة مداها لحظة واحدة. لقد خرجت مدوّيةً أرجاء المطعم وتلاشت تماما بعد خروجها.
ذُهِلَ جميع الحاضرين ووجّهوا أنظارهم لرجلٍ عظيم وملاعقهم مرتخيةٌ بأيديهم تكاد تقع أرضاً من هول المفاجأة.
تدارك صاحب المطعم الموقف بأقصى سرعته قائلا: ” يا جماعة ، ما صار إشي ، لقد طشاها”.
فإذا بالسيدة تركية المظهر تضحك بشدةمرددةً:” ههه هاه لقد..لقد…هاه هاه ..طشاها ، لقد طشاها”.
فقام حشد العائلات عن أماكنهم ، تاركين موائدهم ولم يتناولوا منها شيئا سوى الحساء. السيدة تركيّة المظهر بقيت تترنح ضاحكة مرددة كلمة تخيل لي أنها سمعتها لأول مرة؛ أماّ صديقنا فبقي واقفا في مكانه كالمسمار بلا حراك ؛ وهكذا كانت نهاية رجل عظيم.

في رمضان هذا قمت مع عائلتي بزيارة المطعم المرموق وتمعنت بحزن شديد المكان الذي كانت فيه نهاية رجل عظيم؛ وسرحتُ في أفكاري أبحث عن الإجابة: ” لماذا ترك الجمعُ مائدته وهو بأمس الحاجة إليها؟. هل لخيانة قام بها رجلٌ عظيم ؟ أم لقهقهة قامت بها تركية المظهر ضاحكةً على رجلٍ عظيم؟”.
أتعرفون الآن أصدقائي لماذا أمقت النساء وخاصة تركيّات المظهر.

أعاد الله رمضان علينا وعليكم بالخير ؛ واعذروني أنني سأعدل عن كتابة البوستات حتى ليلة السابع والعشرين من رمضان لأكتب ، بإذن الله، عن والدتي طيّب الله ثراها، عسى أن يدعوا لها بالرحمة صالحٌ منكم فيستجيب الله لدعائه، أللّهم آمين والحمد لله ربّ العالمين

 

المحامي حسين حمزة محاميد


تفضل بالرد

عنوان بريدك الإلكتروني لن يتم نشرة.